القيادة من أهم المهارات التي طورها الإنسان منذ فجر التاريخ، فهي ليست مجرد منصب أو لقب يمنح أو سلطة تأمر، بل هي مسؤولية تتطلب وعيا تاما ورؤية واضحة و خبرات متقدمة و بالتالي قدرة على التأثير في الآخرين لتحقيق أهداف مشتركة، وإلهامهم وتوجيههم و الحفاظ على هممهم في أصعب اللحظات.
وقد أولى القرآن الكريم عناية كبيرة لهذا المفهوم، فيقول في سورة آل عمران – الآية 159 : “ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المتوكلين”
نجد في هاته الآية خريطة طريق لكل قائد يريد النجاح و التأثير
اللين؟ ماذا يعني؟ القيادة الحقيقية تبدأ من القدرة على التواصل الإنساني، و صنع فضاء آمن يجعل الأفراد قادرين على التعبير و العمل والإبداع، فكلما أحس الفرد بالاحترام والتقدير، زادت ثقته في قيادته، وزادت إنتاجيته وزاد التزامه فيأتي نجاح المجموعة و يتحقق التغيير تباعا. أما القسوة و الفظاظة قد تفرض الانضباط المؤقت، لكنها و بلا أدنى شك ستفقد الفرد حماسه، وتجعله يعمل بخوف و يتحين وقت الهروب من المسؤوليات. و هنا يجب التنويه إلى الخط الرفيع الفاصل بين اللين و التهاون، فالفرق بينهما جوهري، فبينما يعتبر اللين صفة قيادية راقية و ضرورية، يعتبر التهاون خللا يفقد القائد احترام فريقه و يؤدي إلى الفوضى وتتابع الأزمات و الانهيار.
الأخلاق قبل القرارات، نرى أن القرآن يضع أخلاق القائد قبل كل شيء، الرحمة قبل السلطة والعفو و الاستغفار قبل المحاسبة و الشورى قبل اتخاذ أي قرار.
العزم و التوكّل، و بعد هذا كله يأتي العزم على اتخاذ القرار، فإذا اتخذ القائد قرارا لابد أن يكون حازمًا فيه غير متردد، ومع ذلك يظل قلبه معتمدًا على الله، متوكلا عليه، لا على القوة، النفوذ أو المنصب، و هذا هو المنهج القيمي السليم الذي يستحق أن يباركه الله عز وجلّ.
ختاما، فإن جوهر القيادة يكمن في هذا الترتيب الرباني الدقيق، أخلاق فقرار فتوكل، و إن أعظم القادة هم أولئك الذين يختارون الرحمة حين يقدرون على القسوة، و يختارون الشورى حين يمكنهم الإنفراد بالرأي، ماكان دائما يمهد لقرارات رشيدة و متوازنة، ويكون ملامح القيادة التي أراد الله لنا، قيادة تمشي بخلق و حكمة قبل أن تمشي بسلطة، قيادة، يبقى الله فيها القائد الأعظم لخطواتنا.
